‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

زائر الظلمة/ 2

قال كأنه يحادث نفسه :
ـ إني أرى رجلاً !؟.
ـ ..........
ـ منذُ شهر تقريباً .
ـ ..........
ـ لا . كأنه يأتي إذا ما أخطأت .
ـ ..........
ـ لا أعرف أكثر مما قلت .
 أمسك و تنهد . رشف عدة رشفات من القهوة فخيل إليه أنها أطفأت بعض لهيبه ,
و انتظر أن يقول صاحبه شيء  لكن عز عليه الحوار و ألانتظار . 
  و حدجه الآخر بنظرة تطاير من لحظها الشرر , 
قال بعد زفرة ملل : مشكلتك أنك تفكر كثيراً .
دارى خاطره المندفع و تأنى , و أتى على ما تبقى من فنجانه
ثم ركز نظرة على صاحبه بتحد , و وثب من أعماق صدره الوحش المستكين , و من يأسه أستمد قوة خفيه إن هو أطلقها لا تبقي و لا تذر .
قال : هل يلام الغريق على تعلقه بقشه .
و فز واقفاً تاركاً وراءه  لجتاً من الاحتمالات .
تبعه الآخر على الأثر و عند باب المقهى أوقفه بوضع يده على مقود الزجاج ,
هز رأسه بأسف ثم أطرد : يا لك من متهور .
ـ التشرد أو النصر ... لا حل ثالث عندي .
ـ إنك تتوهم , النصر الحقيقي هو انتصار القلب !.
و صمت برهة ليتأكد من أنه استوعب كلامه ,
ثم تابع : مشكلتك الأخرى أنك لا تدع قلبك يتكلم .
فباخ حماسه و اصطدمت قوته الواهنة بحاجز الواقع .
فلم يحر جواباً و دفع يده من على الباب و ولى خارجاً . و أتبعه صدى صوته يقول : انتصر لقلبك و إلا غرقت .



( 4 )


جميع المعارك التي يخوضها الإنسان , هناك احتمال و لو واحد بالمئة أن ينتصر ,
حتى تلك المعارك الغيبية . إلا معركة الإنسان ضد الموت , لا ينتصر فيها الإنسان ألبته , فيها حتى احتمال الأمل معدوم . و صاحبنا يعرف الآن أكثر من أي وقت مضى ما هو الموت , أن تطرد موسوم على قفاك بأنك خاسر , أن تذهب هي دون إنذار كما الموت يأتي دون إنذار , و هو يعرف ـ أيضاً ـ أنها ليست ضعيفة ولا جاحدة بل هو من أرخص قدرها , و الرسالة لا تعني سوى أنها كانت تشعر به منذ البداية , ربما كانت تعرف معرفة اليقين حكايته مع صاحب الصوت . و تذكر حوارها معه قبل يوم من رهن البيت حين قالت : إنك تبيعني !.
ضحك و داعب خصلات شعرها برقة و قال بحنو : فرصة العمر يا نصفه الجميل .
و لكن ماذا تفيد الذكرى و البيت هاجرت منه ملكته . أما الموت فأصبح شغله الشاغل , استحوذ على جل تفكيره . أليس اليأس موت ؟ أجل هو كذلك إذاً لماذا التكبر !. 
و قال لنفسه : إذا زاد اليأس عن حده ذلك موت و إذا طمس الطموح عقلك ذلك 
موت أيضاً . و عند الخسارة يتمنى الإنسان الموت . 
و لكن خسارته لها تفوق خسارة كل شيء
و من قاع يأسه استشعر نور باهت ما إن حدً بصره حتى ولى هارباً ,
و طرق بابه طارق فدلف إليه بخطى وئيدة شبه ناعسة , 
أدخل القادم دون تكلف و صعدا للطابق العلوي حيث المكتب المنحوت ,
على ركن منه وضع غلاية ماء و جميع المستلزمات لإعداد أكواب القهوة و الشاي ,
قال صديقة : لن أشرب القهوة على أي حال . 
ترك الغلاية تعمل و توجه إلى النافذة المطلة على الشارع و قال بصوت مكظوم :
انتظره كل ليلة !.
ـ هل تذهب إلى العمل ؟
ـ أني في إجازة مفتوحة .
ـ منذ متى ؟ و علام تراهن ؟
ـ لم أعد أحسب الأيام ... أراهن على خطأ !.
ـ إنك متهور !؟.
ـ لا جديد
ـ مشكلتك يا صديقي ........
قاطعة بغضب و قطب حاجبيه باستهانة و توجه خلف المكتب رامياً ثقله على الكرسي الوثير .  قال :
 أني أعرف مشاكلي .
هز الآخر رأسه بأسف و أطرد : دعنا نترك المشكلات و تعال لنحلل الأمور برويه !. استرد انتباهه فأكمل : ربما لا يكون هناك أساس لما تفكر به .
ربما تلك الكلمة لا تعني أكثر من الظاهر , قال برماً : أني أعرف كيف أميز .
عاد يهز رأسه و صمت لانشغال الآخر بإعداد الشاي 
و بعد قليل أكمل : قل لي إذا سرق أحدهم هل نقطع يده أو جزأ من دماغه !؟.
فنظر إليه متعجباً و أجاب ببديهيه مطلقه : يده طبعاً .
ـ و لكن اليد ما سرقت إلا بأمر العقل !.
ـ ذلك أمر يحتاج إلى تفسير علمي .
ـ دعك من العلم الآن و أخبرني ماذا تظن بحياة أشخاص مبتوري الأدمغة !؟.
ـ ينقص الكون إلى النصف .
ـ حسناً ... إذا اعتبرنا أن العقل هو المصدر و اليد هي الأداة 
هل يمكن أن يأتمر المصدر ؟
ـ لا أعلم !.
صمت قليلاً ليتأكد من استيعابه للفكرة , و أكمل :
ـ إنك تعتبر العقل هو المصدر الوحيد للأمر , رغم أن القلب يقومه في كثير من الأحيان .
ـ العقل هو مصدر القوة !؟
ـ القوة الحق تأتي من تعاضد العقل و القلب .
ـ إلام ترمي من هذا كله ؟
ـ أنك قد تكون توهمت أشياء لا وجود لها .
 أكمل بتأني ليتيح للآخر المجال الكافي للاستيعاب :  
ـ إذاً .... قد تكون ( أفهمت ) تعني التحذير و ليس التهديد !.
ـ لم تسمع صوته .
ـ لم أسمع صوته ؟
ـ كان واضحاً بدون شك .
حدجه بنظرة استعلام فتردد الآخر ثم أطرد : واضح بدون شك .
نفخ و أرجع ظهر كرسيه إلى آخر مداه و مسح على رأسه , قال :
ـ بماذا أخبرك قلبك ؟
ـ لا أدري !.
ـ هنا مكمن المشكلة جميعها . إنك تغفل المصدر الآخر ......
ـ لأنك لم تسمع صوته !.
ـ نبرة الصوت أيضاً أداة تابعه لمصدر ...
ـ لا أعلم دواخل القلوب .
ـ نحن نتحدث عن قلبك أنت !.
ارتبك في مجلسه الوثير و ترنح بالكرسي يميناً و شمال ثم قال بنفاذ صبر :
ـ ماذا تريد مني ؟
ـ أرأيت كيف أن العقل سريع الملل . لذلك قراراته دائماً تحتاج إلى تقويم !,
و حينما لم يجيب أكمل كلامه مصحوباً بابتسامة وشت بمواربة الأبواب الموصدة :
عليك أن تتدرب كيف تستمع إلى قلبك .

***

برد الشاي ...........





( يتبع ) 

الخميس، 28 أبريل 2011

زائر الظلمة


( 1 )

باغته جرس الهاتف فالتفت إليه مسرعاً و وثب نحوه بخطى واسعة , ما إن كاد يخرج صوته حتى أجبره المتصل على السكوت . لم يحرك شفتيه بكلمة و ظل مستمعاً مدتاً حتى جاءه الأمر : أفهمت !.
نبتت ذراتُ عرق على جبينه و قال بصوت متحشرج : أجل  سيدي .
عاد إلى موضعه الأول عند النافذة المطلة على الشارع , أخذ السيجارة و راح يكملها بعصبية و نهم واضحين . أسفل النظر استقر رجلٌ تحت عامود النور , أعاد ألالتفاتة فتأكد انه هو هو الرجل المنشود . طالعه الآخر بهدوء من تحت عامود النور , رفع له يديه محيياً و انصرف متمهلاً بخطى ثابتة  .

***

كاد أن يصرخ به لولا تأخر الوقت إلى ما بعد الرابعة فجراً , و راح يجوب الغرفة بين المكتب و النافذة يفكر بلا شيء و كل شيء ممكن أو مستحيل , هو الرجل ذو المعطف الأسود المقلم بخيوط من الذهب . أجل هو فلا يمكن أن تخطئة عيناه . وقف أمام النافذة قليلاً ثم ارتمي على الكنبة المقامة على الجانب الأيمن من الغرفة , قال لنفسه : أن الحياة لا تحتمل أكثر من كلمة . قال أيضاً : إننا نتقاتل على ثمالة الكافرين . ارتخت أعصابه فثقل جفنه , النوم في مثل حالتي يعتبر أعز من الأمنية , ما إن أطبق جفنيه حتى عاد رن الهاتف فوق المكتب المنحوت , قام متثاقلاً , رفع السماعة بيد مهتزة . أنصت باستيعاب مشوش , هز رأسه بتأني , قال بصوت منخفض : إذاً نلتقي عند العاشرة .



( 2 )


أزفت ساعة العمل فتوجه إلى غرفة نومه ليرتدي ملابسه . تقلبت زوجته على الفراش فطالعها بطرف عينه اليسرى  . و هي جميلة من نومها أكثر من صحوتها . و لكنه يحبها بالحالتين , و ما أضناه غير الحب و الاستقرار , أكمل ارتداء ملابسه , وقف أمام المرآة و تملى منظره طويلاً , ثم اقترب من طرف السرير و انحنى طابعاً قبلة على طرف شفتها السفلية . غادر الغرفة متوجهاً للمطبخ , أعد لنفسه كوب قهوة و شرع يطالع الجريدة , و ما إن قلب صفحتها الأولى حتى باغته شعور بالندم . أي ندم فما حدث لا يمكن التراجع عنه الآن , رمى بالجريدة و أخذ كوب قهوته و ولى خارجاً . الطريق منذ ألف سنةٍ هو الطريق . و هذه الوجوه تتكرر بكرور الأيام هي أيضاً ثابته لا تتحرك . الازدحام شديد و رأسه يغلي من فكرة الندم , و هناك بالجهة الأخرى من هذا الدوار يكون الفرج . انتصفت السابعة و هو عالق من أتون الدخان , داحر السيارات حتى خرج و خيٍل له أن سيارته تلهث . وجه المطار يناظره من بعيد فردد نفس الجملة التي اعتاد ترديدها كل يوم في نفس المكان : مطار الكويت يرحب بكم .
عبر الشارع الأول فالتقاطع ثم التف يميناً إلى بوابة الموظفين , استغرب وقوف بعض سيارات الموظفات كأنهم يأتون للعمل عند الخامسة فجراً , و قال لنفسه متى تأتي أنت باكراً . ترجل من سيارته وقطع الشارع إلى مبنى المطار الخلفي , عبر ممر طويل إلى مكان الدرج و دس يده في جيبه ليتأكد من وجود علبة السجائر و المفاتيح , في الدور الأول تحت الأرض مكتبة , توجه إلى مدير القسم ليوقع حضوره , قابلة الآخر بود مصطنع و قال بتبرم : العاملين ينتظرون تصاريحهم ؟ برطم بشيء لم يسمعه الآخر فقال :
ـ ها , ماذا تقول ؟
ـ أقول إن الصباح اليوم جميل .
ـ  و أنا أقول أن قسم التصاريح لم يشهد موظف بليد مثلك .
ـ شكراً
نظر إليه متعجباً فدارى ضحكة أوشكت أن تفلت منه . أعطاه ظهره و توجه إلى مكتبه , و ما إن أتخذ مجلسة حتى بادره الزملاء بالكلام , و لكنه لم يلتفت إلى أحد , لم يرى أحد هو الأصح و انشغل بالتصدي لسيل الأفكار التي تنثال عليه تباعاً . ماذا يعني بقوله ( أفهمت ) ؟  و ما سبب الجُبن الذي أصابني لحظة سماع صوته الغليظ ؟ إن كثيراً من الأحيان يتساوى الخطأ و الصواب في هكذا زمن نعيشه . و فكرة الندم لا تبارح تفكيره بل هي تتمدد بخلاياه كالورم الخبيث . نغزه أحد زملاءه بجنبه فانتفض واقفاً , تعجب الجميع من ردة فعله أما هو فمضى خارج المكتب . و في الممر تنبه إلى أنه يذهب إلى مبنى المطار الرئيسي . أكمل بغير وعيي منه حتى وصل إلى المحلات التجارية , تلفت ببلاهة يبحث عن لا شيء . أدركه تجمع لأناس يتجمهرون حول شخص ما , اقترب من الجمع ليتبين من هو مركز التجمع , كانت المذيعة الجميلة مركزه , صاحبة اللغة الفريدة و الحظ السعيد . فقال لنفسه : أي عصرٍ يتصدر به السفهاء أعلى المراكز هو عصر الأفول !. و مضى يتفكر بحاله بعد أن خفف منظر الناس حول المذيعة من لهيب رأسه . دار حول المحلات و وقف يودعُ أشخاصاً لا يعرفهم ولا يعرفونه , تحرش بصبية ربما لا تتجاوز التاسعة عشرة و شيع الأفكار واحدةً تلو الأخرى بمثواها في غياهب الذاكرة . توجه إلى دورات المياه لغير ما سبب . وقف أمام المرآة و تملى منظرة طويلاً , همس لنفسه : سفهاء الأمس قواد اليوم , فلتحيى أعظم مهن التاريخ !.


( 3 )


كان المقهى المطل على البحر شبه خالي حينما دفع بابه . خلت الطاولات و تجهمت الجدران من شح الضحكات الرنانة التي تخترق صفحتها , إن العالم يموج بأقوال الحرب , هنا أو هناك لا يهم فكل بقعة تشهد بجمال فانٍ و قبح بارز لا تستر مساحيق التجميل قبحه .  سأل النادل من التي تغني ؟ و ما معنى أن نختبئ من درب الأعمار!؟
طلب فنجان قهوة و فرش انتظاره على الأرض تدوسها دقائق الوقت الماضي , علًق عينه على الباب الزجاجي لحظات مرت كالسنين , لا .... مستحيل ..... هل يمكن ..... ليس الآن ...... ليس الآن بالوقت المناسب للشرود عليه أن يجمع جميع أعضاء جسده للٍقاء المنتظر , و لكن كلمة ( أفهمت ) ترن في أذنه عند أدنى حركة تدب في شيءٍ ما حوله . ماذا تقول ؟  : 
تعا تا نتخبا من درب الأعمار ... و إذا هني كبروا و نحنا بقينا صغار .
ما معنى أن نبقى صغار و لما نختبئ من درب الأعمار . سأل النادل فطالعه الآخر بابتسامة صفراء و قال تعني أن الحياة ........
قاطعة بإيماءة من رأسه و قال بعصبية : لا أحتاج لمزيد من التفسيرات للحياة .
ـ الحياة كل يوم لها تفسير , بل كل دقيقة .
ـ مستحيل أن يتحملها الإنسان !.
ـ أنه يفعل و لكنه كثيراً ما يقع فريسة الوهم .
ـ هل يمكن أن ينتصر ؟
ـ ممكن إذا ما استعجل الموت !.
و أردف النادل و قد تبددت ابتسامته الصفراء عن أخرى أكثر قتامه و قال : فنجان آخر ؟
انتزع نفسه من دوامة الحديث و توابعه و قال بعد تنهيده : ليس الآن
نظر إلى ساعته فوجدها تجاوزت العاشرة و النصف بدقائق . علق عينه على الباب الزجاجي لحظات مرت سنين أخر , فتح الباب فمر خلاله شاب و فتاة قال لنفسه أن المكان يجود بضحكة , خلف القادمين تبدى رجل طويل ضخم أسمر كثيف شعر الرأس ذو تقاسيم وجه منمنمة لا تتناسب  مع جسمه  , سار بثبات إلى حيث طاولته فقام الآخر بملاقاته , شد على يديه دون قُبَل و أجلسه بترحاب . نادى النادل طالباً فنجانين قهوة و ساد صمت متحفز حتى خرقة قائلاً : أني أغرق !.
قال الآخر بثبات و ثقة : تجنب المبالغات من فضلك . و ساد صمت متحفز حتى خرقة قائلاً : أني أغرق !.
تبدى الآخر جامداً صامت و قد وشيي وجهه المنمنم عن حزم ذو خبرة بأقوال شتى من أفواه الغارقين .
 قال بتأني : أني أفهمك !.
 رنت الكلمة في أذنه رنين مأذي منبعث من الأعماق . تجلت له الأحداث مجموعة كلمات بلا وزن حتى الكون جميعه استحال لعينه مجموعة ذرات بلا ترابط يجمع بينها . نازع شروده و رنين الكلمة الذي لسبب ما وحده ارتبط برنين حاد آخر بدأ ينمو في دماغه . رفع الآخر يده ملوحاً لاسترداد انتباهه , نظرة غير النظر و وعي مشدود إلى أمارات التشابه تتلظى كلسع العقارب داخل رأسه 
و اليد هي اليد !. قال كأنه يحادث نفسه :
ـ إني أرى رجلاً !؟.
ـ ..........
ـ منذُ شهر تقريباً .
ـ ..........
ـ لا . كأنه يأتي إذا ما أخطأت .
ـ ..........
ـ لا أعرف أكثر مما قلت .




 //
( يتبع )

السبت، 12 فبراير 2011

الــــهــــــذيـــان


,ـ شكراً 
ـ لا داعي للشكر
ـ لقد أعدتني للحياة يا دكتور,,
ـ بل بعزيمتك عدت , وأنت تستحق هذا ,,( أكمل الدكتور  (

ويسرني أن أراك بين الحين والآخر
ـ سأفعل .... إلى اللقاء
ـ مع السلامة.

خرج أيمن الإبراهيم من عند الدكتور أكثر شباباً وحيوية واتًسعت عيناه للجمال والحياة والحب , وفتح ذراعه للأمل القادم من الأفق وأخذه بأحضان المشتاق .

تغيرت الدنيا بعينيه وانقشعت سحب السواد التي كانت تملأ سماءه , فكم سيصمد مع هذا التغيير , ولو أنه قد كسر حاجز الخوف والشك بالأطباء النفسيين وزيارتهم ولكن هل يقضي عمره في مصحة المرض النفسي ! كان الأهل والأقرباء المقربين بانتظاره خارج المصحة وما إن بان خيالة من وراء الباب الزجاجي حتى اغرورقت عينا أمه بالدموع والشوق واللهفة
ولم تشعر بذاتها المدفوعة ركضاً أمام الناس لتحضن ولدها الحبيب فبكت
وبكى وغزت الدموع أعين المشاهدين لتلك اللحظة المؤثرة ,
كان سلاماً لجميع الأهل واطمئنان عن الأحوال بعد رحلة العلاج الطويل , التي دامت سنتين  متواصلتين لم يخرج بهما أيمن ولا مره للخارج ,
وما إن وصل للبيت الذي ضم نعومة أظافره حتى توالت الذكريات
يجر بعضها بعضاً , روضتي , مدرستي وثانويتي ماذا فعل الزمن
بأساتذتي يا ترى !!؟
هل لا يزالون بالمدرسة أم عادوا لأوطانهم , كم أتمنى زيارتهم !!

****

عند الأصيل تجمع الأهل والإخوة للتحدث عن ما فعل أيمن بالمصحة
وكيف عاد للحياة مرتاً أخرى , فكان أول حديثه عتاب لأخوته الذين لم يزوروه طول فترة العلاج إلا مرات معدودة , فقد شعر بمرارة الوحدة والهجر , وكيف هان عليكم أخاكم !؟ ضحك أحدهم وقال إن مشاغل الحياة والأولاد لا تنتهي . ولتغيير مجرى الحديث الذي لم يرق لأحدهم قال صوت لقد كبر الأولاد وزادت مشاكلهم ومتطلباتهم , ولكنه لم يسمع شيء وقال لا شيء يمنع زيارة نص ساعة  .
تجاذبت أطراف الحديث من موضوع لآخر فبعد أن أخبرهم بابتسامه
كيف قضى تلك السنين كان آخر حديثه أنه تعلم كيف يجد حل لمشكلة الكويت الأولى ومشكلة العالم أيضاً .
انقضت ساعات كثيرة وهو يتحدث وهم يسمعون , انتصف الليل ورحل
الأقارب ولم يبقى سوى الأخوة , نظر أيمن لصورة والدهم المبروزة
على الحائط وقال لنقرأ له الفاتحة .

**

قضيت الساعات بين الأحاديث والنكات والضحكات , ولكن وراء
كل بسمة ذكرى أليمة أو خاطر نفسي يعكر صفوة الجلسة العائلية
قام الإخوة كلهم لغرفته ولحضن امرأته وبقت الوالدة وأيمن
فقالت السيدة سعاد : لا تحمل نفسك هموم ليس لك شأن بها فتعود
إلى ما كنت عليه . ولكن أيمن كان قد طبع على التفكير بشأن العالم من يعرف منهم ومن لا يعرف , أليّسً الفرد جزء من المجتمع فكيف لا أفكر بشأن الآخرين  , وكل ما قد يفعلونه يؤثر علينا جميعاً .

ــ متى تعود لعملك ,
ــ بالقريب أحتاج لبعض الوقت لتصفية ذهني ,
ــ لا تبخل على نفسك بالراحة.
ــ هي من تبخل علي بالراحة والأمان ,
ــ وهل تعتقد أنك  تستطيع تغيير المجتمع لوحدك ( أكملت السيدة سعاد )

لا يحق للشخص أن يفرض آراءه مهما كانت على من لا يريد أن يستمع
وتدخلك العميق بشؤون الناس جعلك تصل لمكان لا نجاة منه ,
وقد أعطاك الله فرصة أخرى فحمده ولا تعاند .

ــ الحمد لله ( غير مقتنع (



***

مضت أيام وأيام بعد أسبوع فأسبوع ثم شهر وراء شهر , عاد أيمن للعمل في نفس الشركة التي كان يعمل بها كمحاسب من الدرجة الرابعة ,هادئة تلك الشهور الماضية رغم الصراع الدائر بين نفسه ونفسه ,إلى متى الصمود يا نفسي ولا شيء بالعالم تغير !!
فلا يزال الأخ بعيداً عن أخيه , ولا تزال الأخت تمقتُ أبيها بحجًة الصبا  ,ولا يزال المجتمع غارق في بحر الوهم ومشاحنات من وكلوا بتمثيل الأمة ,كيف الخروج !!؟

ــ أيمن أين وصلت بخيالك .
ــ ..................
ــ هل سمعت قصة الأم التي رمت بنفسها من سيارة ابنتها وهي ذاهبة بها إلى دار العجزة ,
ــ .........................
ــ ما عاد بالدنيا أمان البتة ,
ــ أصمت أرجوك فما بي يكفي ,
أصاب كلام زميلة بالمكتب مقتلة وزاده خوفاً من المجهول والمستقبل , رأى بعين الزمن  فجوةٌ واسعة لا تكاد تغلق بأمنية من شاب . وفي ساعات عملة المنقضية بدون عمل يذكر خرج من مكتبة قبل موعده بساعتين واتًجهت خطاه إلى صديق قديم كان أعز صديق له ولكنه لم يره منذ سنين فهل يذكره , وكيف تنسى سنين الصداقة الطويلة , أجلسه وتجاذبا أطراف الحديث عن كل المواضيع التي تشغل الشباب , الحب أولها والزواج يأتي بالتبعية وأحلامهم المواربة وراء الزمن , غير أن الصديق قد تطلع إلى مكانٍ قصي لم يكن ليأتي لأيمن على بال, تغيرت حياته وقفز إلى مصاف أصحاب الأسهم والبورصة   ,خفًة لهفة اللقاء بالتتابع وأخذ الملل مكان البسمة , فكان الحديث يقف كثيراً لاتصالات  متتالية وأوامر معطاة أو مأخوذة , فلم يكن منه إلى الاستئذان  بالمغادرة , سلم عليه وفي نفسه يقول عسى أن لا تعيدها ,لا مكان يأويه سوى البيت وحكايا الأم الجميلة , هتف قلبها عن سبب
عودته بهذه الساعة المبكرة من العمل  . أحسست ببعض التعب ,
لا تزال على وهمك يا أيمن , ليس بيدي , أنا فقط لا أستطيع العيش هكذا , كل العالم يعيش بهذه الطريقة , وأنا ليستُ من العالم , وعلى طاولة الغداء لم يأتي سوى أخوه الصغير وأمه وهو
فكان الغداء لا طعم له مع أن البيت يضم ثلاث عائلات لأخوته المتزوجون وأولادهم .
انتصف النهار وتلونت السماء بألوان المغيب ,
وعلى دقات الثواني سُمعت صرخة من الطابق الثاني لزوجة أخيه ,
فهرعوا جميعاً وإذا الدماء تسيل منها من أماكن متفرقة من الوجه والكفين , سألوا عن ما حصل ولكن الزوجة قررت أخذ الأولاد لبيت أهلها , وأخيه داخل الحجرة يلهث وصدره يعلوا وينخفض بسرعة رهيبة , سألوا الأخ فقال مشكله زوجيه تحل إن شاء الله , إن الهانم زوجتي ربيبة العز والدلال تعايرني بقلة دخلي , ولم تعد تحتمل هذا الوضع , هكذا تحل المشاكل الزوجية بالضرب سحقاً لك .   فلتفت الأخ إلى أيمن وصفعه بقوة ودبتً مشاجرة بين الأخوين ولكمات وسباب وبعد بكاء الأم ودعواتها خرج أيمن من البيت غاضباً , لا العائلة تغني ولا الصديق , ولا العمل ينسي ولا الحياة بمجملها جميلة فتذكر الحياة داخل المصحة فأحس بالحنين إلى مكانه وسريرة , وأصدقاءه هناك ورقة حديثهم , هناك الصداقة الصافية ! وفي اليوم التالي جمع أغراضه وتوجه للمصحة , واستقبله الدكتور فقال مستبقاً لقد أخطأت بحل الأسئلة لا أعرف مشكلة المجتمع الأولى ولا مشكلة العالم ويلزمني العيش هنا أكثر. وعادت السحب السوداء تملأ سمائي   .
تغيرت الحياة كثيراً ولم أكن حاضراً لأشاهد هذا التغيير عن كثب, فسقطت من تعدادها وأصبحت غريباً عنها ,لا أعرف حتى عائلتي , لا أعرف من أصدقائي حقاً , حتى القيم تغيرت وغدت مجرد كلمات يحفظها الطلبة بالمدارس , وأكمل أيمن بالمصحة عرفت علاج الهذيان , أما بالخارج فهو الهذيان نفسه .

الأحد، 23 يناير 2011

صياد الأماني

جال بناظريه في الظلام , اتسعت بؤرة عيناه موحية بتقبل المكان المقفر و الظلام المحدق . أخرج صنارته و طُعمه .
دندن بصوتٍ خافت : أحلا ما في الفرحة اتنسي الكبير سنه .
جلس على كرسيه الخشبي بعد أن ثبت الصنارة بين شقوق الصخر , مال ناحية صندوقه المزركش و أخرج كتاب و شرع بالقراءة .

***

لم تكاد تمر الساعة الأولى حتى أدركه اهتزاز الصنارة , وضع الكتاب بأناة و راح يدور أُكرتها . و لما أخرج نهايتها وجد الطعم قد أكل دون وجود لأي سمكة . قال : عفا الله عن الماضي و المُبتدِأ !.
أعاد وضع الطعم و رمى به لفم البحر و عاد للقراءة .هفهف نسيم رقيق غازل الأغصان حوله , و احتشم القمر وراء سحابه كعروس أسدلت طرحتها , لا تختفي و لكن تتوارى فيظهر الضياء . اندمج بالقراءة فغفل عن تهدج الماء و تخبطه , فجأة دونما رياح مزمجرة , و اهتزت الصنارة فطالعها بطرف عينه . اندمج بالقراءة فظهر من الماء رأس أنثى يستغيث : أخرجني .... أسرع !؟. و حينما لم يوليها اهتمامه امسكت خيط صنارته و بدأت تخرج نفسها من الماء المتخبط . استوت أمامه أنثى طاغية الجمال .  لكنها بشكل سمكه قالت و قد أخذها التعب :
ـ ويلك من رجل لا نخوة بك !.
لم يحول رأسه عن الكتاب و لكنه قال بصوت يشبه الهمس :

ـ بدأ الحظ يبتسم .
ـ حظ ؟ أي حظ , كدت تقتلني بتجاهلك .
ـ أقتربي لأراكِ على ضياء القمر .
ـ يا لك من شيخ داعر . ألا تعرف من أنا ؟
ـ يسرني أن أعرف .
ـ أنني أميرة أطلانتس . جزيرة الحلم الضاربة بالتأريخ .
ـ أهلاً بكِ .  لكن يجب أن تقتربي فسمعي ضعيف . 
نظرت فيها حولها و لما لم تجد أثراً يعود لتاريخها سألته :
ـ أين نحن ؟ أي تاريخ ؟ 
ـ يبدوا أنكِ قطعتي زمناً بالسباحة . تعالي لتستريحي على حجري .
ـ بل يبدوا أنني أخطأ المكان . جئت لطلب المساعدة ؟
ـ اقتربي مني فسمعي ضعيف كما قلت لكِ . 
ـ جزيرتي الغارقة تحتاج لرجل شهم ؟ 
و لما لم يحرُ جواباً طارت إلى السماء ناثرتاً لآلئ أنارت الكون . فارتبك في مجلسه و لم يحول عينه عن الكتاب .  ثارت فيما بينها و تقدمت منه بخطى واثقة حتى ألصقت وجهها بوجهه و لكنه لم يتحول عن الكتاب : 
ـ قلت أنني أبحث عن رجل شهم ؟ 
ـ لا شهامة بزمن البارود . 
أغاضها كلامه فصفعته و لكنه لم يتحول عن كتابه , و صدر عنه أنين مكتوم فقال بخنوع :
ـ ألا ترين أنني شيخٌ كبير !؟
ـ بل أنت داعر زنديق . و أي مساعدة منك تعتبر كارثة 
ـ أستطيع مساعدتكِ . فقط لو جلستي على حجري . 
ـ ماكر , زنديق .
 بحركةٍ آلية استدارت ناحية البحر . قالت لنفسها يبدوا أن الزمن خير من ينقذ الأبرياء ,  تمايلت كغصن يداعبه النسيم ,  نثرت لآلئ أنارت الكون .  هدأ البحر و سكنت أمواجه , نظرت خلفها ثم قفزت .


أدركه اهتزاز صنارته , وضع الكتاب بأناة و راح يفرٌ أكرتها . وجد الطُعم قد أكل و لا وجود لسمكة . قال لنفسه : 
ـ إن أحلام الشباب عمل . أما أحلام الشيوخ فتأمل و عفا الله عن الإثنان !.




***




تأكد من تثبيت الصنارة بين شقوق الصخر , نظر للسماء فظهر القمر في متناول اليد , ودً لو يمدد يديه ليمسكه . لكنه تراجع بعد أن أشبع بمناجاته عمراً طويلاً . ماذا يفيد الآن لو أمسكته . لا شيئ و ربما ذلك يعكر صفوة موتٍ أنتظره , ماذا تبقى لنا نحن أبناء أفلاطون سوى الغرق كجزيرته الفاضلة . و لكننا عوضاً عن الغرق , ملأنا بحب الصيد . و قد نصطاد يوماً حورية قادمة من الأعماق فنسألها عن الأماني الغارقة . 
عاد لمجلسه و تطامن رأسه نحو الكتاب , و عاد للقراءة . استحال في موضعه كلوح خشب خاوي , عاودته حالة ألاندماج و غاب عما يكتنفه الزمن من مآسي . تحركة صفحة الماء فظهرت أنثى يموج شعرها بفتنةٍ طاغية , اعتلت خيط صنارته و مشت عليه بخطى ثابتة , و لما وصلت النهاية صاحت بصوت ملئه الإغراء : Hi
مدًت الأحرف فشعر بدفعة هواءها تلفح وجهه الجامد . استطردت بغنج :
ـ أوف فاتتني الحفلة الراقصة ؟
ـ لا مانع من أن أشهد رقص الحور .
ـ و لكني أحتاج لموسيقى .
ـ سأكون العازف و الجمهور و لكن اقتربي قليلاً فنظري ضعيف !.
ـ يال حظِ العاثر .
ـ الآن بدأ الحظ يبتسم . 
ـ أنني مغنية موهوبه !. 
ـ أشهد لكِ بذلك ...........
ـ و لكني سمعتك تقول أن سمعك ضعيف . 
ـ لالالا . بل هو نظري فقتربي لأراكِ على ضوء القمر . 
تمايلت بمشيتها فنثرت من شعرها كواكب و أقمار , عبق الجو بشذا ريحها الطيب كأنها سحابة تمطر مسكاً . ارتبك في مجلسه و لكنه لم يحول رأسه عن الكتاب , استقرت على حجره و داعبت شعيرات لحيته الكثه . قالت بدلال : هل ستشجعني !؟
ـ نعم .... سأهتف بإسمكِ بأرجاء المعمورة .
ـ يا لك من شيخ كريم . 
ـ لكنني أحتاج للتأكد من موهبتكِ . 
ـ هل تشك بها . 
ـ لا فقط ليطمئن قلبي . 
قامت غاضبه و انتصب عودها الريان , دارت حول نفسها عدة دورات و تمايل خصرها برقة فاضحه , ثم قالت بتحدٍ :
ـ هل سمعت أجمل من صوتي !؟. 
ـ ولا رأيت !. تعالي وقعي لي على رقبتي . 
و قبل أن تصل لموضعها الأول قفزت من البحر الحوريه الضائعه . صاحت بأعلى صوتها :  داعر ...  ماكر . ألم تقل أن سمعك ضعيف .
ـ يحقُ لي أن أشكوا مما أريد !. 
ثم توجهت إلى الأخرى و دخلتا بعراك حامي الوطيس فتطاير شرر متوهج . 
ارتعد على كرسيه الخشبي و تمتم بكلام غير مفهوم . 
و لكنه لم يحول رأسه عن الكتاب , و لحقته لطمات من العراك فصاح :
ـ اتركوني بسلام .
اهتزت صنارته فطالعها بطرف عينه ثم عاد للقراءة , و ارتبكت صفحة المياه و خرجت حورية آية بالجمال و الصفاء . مشت متأودة في خفة النسيم العليل كأنها تنساب معه :
ـ لما يتشاجران ؟ 
ـ دعكِ منهما . أقتربي فسمعي و نظري ضعيفين !.
ـ لا ما جئت للحديث . و لكنني هنا لألقي كلمة .
ـ يسعدني أن أسمعها , و أن أراكِ تلقينها .
و بدأت كلامها و هو يهزٌ رأسه في انسجام كامل , و حينما انتهت قال بثقه دون أن يحرك رأسه عن الكتاب :
ـ لدي عدة أسألة ... لو تسمحين ؟
ـ أرى أن سمعك تحسن .
ـ انني أسمع ما يهمني فقط .
ـ و أنا لا أجيب عن الأسئلة فهي ليست من اختصاصي !.
ـ لكنها أسئلة مهمه لفهم ما تقولين ؟
ـ كل شيء مرهون بوقته . و أحب أن أضيف أن الشهامة و النخوة و الكرم و الجود و الإحسان منوطون بالزمان و المكان , فرُبً فعلٍ خاطئ يكون صحيحاً بمكانٍ ما أو فعلٍ صحيح يكون خاطئ بمكان آخر , و الزمن هو الحكم دائماً . و لكن يجب أن يستيقظ رأس الحكمة !.
ـ الآن اتضحت الرأيه ..... شكراً لكِ .
ـ آن لي الذهاب .
التفتت إلى المتقاتلتين و حيتهما بيدها , ثم قفزت إلى الماء . ندً عنه همس يوحي بالملل 
و لكنه استمر بمطالعة الكتاب .امسكت كل من الحوريتين بتلابيب الأخرى و استمروا بالقتال حتى سقطوا بالماء . و لم يحول رأسه عن الكتاب .
تململ بمجلسه , أشاح ناظريه إلى السماء فرآها تمزق عباءتها السوداء رويداً . وضع الكتاب بأناة و قام ناحية صنارته . فرً أكرتها فوجد الطعُم قد أكل دون وجود لسمكة .
قال لنفسه : عفا الله عن الإنسان , أسير الحياة و الموت !.
بدأ يلملم أغراضه ثم حشاها بصندوقه المزركش , دندن صوت خافت : 
و أحلا ما في الحزن كل الحكمة تجي منه . 


وولى البحر ظهره , و ذهب .

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

صفعة زمن


 طلب الاثنان نفس الطلب , وضعا نفس المقدار من السكر , رشفوا رشفةً أولى . ابتسم النادل مرحباً بهما قال : مضى زمن طويل منذ آخر زيارة لكما !. جاوبوه بابتسامة مشتركة دون تكلٌف . قال الأول : مر زمن طويل حقاً . . فصدق الآخر على قوله و أضاف : طويل حقاً !. ولكنه بالقياس إلى الأيام يعتبر قصير .
ركن المقهى القديم ضمًهم , مع مرور كلٌ هذه السنوات لا يزال أصحابنا يقدمون نفس الطلبات بمنتهى البساطة الممنوحة للجنس البشري , الركن هو الركن الذي احتوى أحلامهم بسالف الزمان , و تلك أحاديث المستقبل و الشباب صداها يصمٌ أذنٌ أرهفت سمعها لذات ذكرى صادقة . هل تذكر !؟ نعم أذكر فالذكرى تنتشر كشذا العطر . واحده تكفي لتجذب سيل الذكريات . هل تذكر !؟ حينما كنا بالصف الرابع ابتدائي و كأن الآخر عرف الذكرى قبل البوح بها و واصل سردها مع ابتسامة من القلب كنا بمختبر العلوم نعمل على تجربة مركب كلوريد الصوديوم . انتشرت رائحة غريبة قبيحة مع دخان أصفر . ضحك الآخر بملء قلبه و أطرد : أشعنا بالمدرسة أن مدرس العلوم يعلمنا تحضير الجن . لم يستطع الآخر مسك نفسه فتعالت ضحكته حتى ارتعد منه رواد المقهى و تلفت الجالسون . صمتوا لحظةٍ كأنهم يثبتون الذكرى بدهاليز ذاكرتهم . رشفوا رشفة أخرى فقال أحدهم : الذي لا تعلمه أن الناظر طلب مقابلة المدرس لإيضاح الأمر .
ـ يا لها من إشاعة قبيحة ....
و تابع بعد أخذ رشفة من الكأس أمامه : لقد كنا أغبياء .
ـ بل كنا أبرياء . ما طولنا و لو مرة لساننا على أحد من المدرسين رغم الشغب الذي نستحق عليه الضرب . وما أهنا و لو مرة احد المدرسين رغم تصرفاتنا التي تستحق الطرد من المدرسة .
ـ مفهوم مفهوم .
صمت قصير خيم على الصديقان . توالت الرشفات و الابتسامات المكتومة . أتى الأول على نصف الكأس و خرق الصمت بضحكة ثم قال : ما حدث لك في الصف الثالث متوسط ؟
ـ عن أي حدث فالأحداث كثيرة .
ـ حينما طُلب منك مدرس الرياضيات حل مسألة على الصبورة .
ـ أخ ... داهمتني ضحكة لا أعرف مصدرها و بدل أن أبدأ بالحل بدأت بالضحك بحالة هستيرية .
ـ ضحكنا عليك طيلة السنة و كلما قام أحدنا و توجه ناحية الصبورة يضحك دونما سبب .
ـ كنت محرجاً لدرجة أردت معها تغيير الصف .
ـ ما كنت تركتك وقتها .
الغريب أننا كنا نضحك ولا زلنا . دونما سبب و حينما يأتي وقت الضحك لا نضحك !. اللعنة على التجهم بكل وقت .
الآن عرفت سر إضحاكك كلما وقفت أمام لوحة الشرح حتى حينما وصلنا للمرحلة الثانوية كنت تضحك كلما وقفت أمامها . ما السبب ؟
تفكر الآخر بعمق كأنما هي حالة مرضية مستعصية و قال : في المرحلة المتوسطة أعتقد أن السبب كان الهروب من الإحراج الشديد . أما في المرحلة الثانوية أظن أنه بسبب اللا مبالاة الشديدة . المهم أنني كنت أضحك من أعماق قلبي و لست أهتم للسبب الحقيقي .
ـ حسناً ... أخبرني عن سبب فشلك الكبير بالثانوية العامة ؟
صفى ذهن الآخر , أصابت ذكرى الثانوية العامة شغاف قلبه . و هوة به لأرض جرداء .
كم كان ألاختيار مربكاً ! لم يقل لنا أحد ما هي الدوافع وراء اختيار هذا الطريق أو ذاك . أو ما هي ميولك علمية أو أدبية . فإن كنت تجيد فهم المعادلات و حلها فطريقك علمي . أما إن كنت تحفظ التواريخ و الأحداث فطريقك أدبي . الأمر سهل على الناظر من بعيد . ثم أنني بعد كل هذه السنين وجدت أن صاحب الطريقين ليس كذاب !.
و أنني كنت مخطأ باختياري للطريق الذي مشيت به , لذلك فشلت بامتياز . قس على هذا سنوات الجامعة و العمل . كلها فشل يلي فشل .
طبطب الآخر على كتف صديقة و  رفع كأسه عالياً ثم قال : في صحة الفشل .
أطرد بنغمة جديدة : يبقى الماضي ماضياً في طريقة مادمنا لا نجاريه .
رشفوا رشفة من الكؤوس أماهم توحي بانتهاء الحديث المفترض قوله , أتى الأول على ما تبقى من كأسه بصمت و أناة و الآخر ينظر إليه بتودد . قام الأول كمن لدغه ثعبان و الآخر ينظر إليه فأتى على ما تبقى من كأسه :
ـ فرصة سعيدة لقائي بك .
ـ فرصة سعيدة
ـ أستودعك الله
ـ ......
توجه الأول ناحية الباب و الآخر معلقاً نظره عليه , تابعه و هو يخطو مبتعداً , فنثالت عليه جميع الأحلام المشتركة و المبتعدة في آن . و الأفكار و الهواجس , أحلام اليقظةِ العمياء و التطلع للمستقبل . كلها مبتعدة كالصديق . تابع خطواته حتى غيبه المنعطف .

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

آمـــــــــــين !.

هناك صوتٌ يتهادى إلينا في مجلسنا , نظر احدنا إلى الساعة وجدها قبل الرابعة فجراً بقليل . قال آخر أذٍنْ أذٍنْ , رديت أنا : الله أكبر
و أكملنا ضحكنا !.

تحت الشجرةِ استقرينا , رذاذ المطر خفيف لدرجةٍ أننا كنا نحسبه نثار من ريقنا المرتطم بوجوه بعضنا . ليالي العربدة ليس لها مثيل
و الصوت الآتي لا يدل على قيام الساعة و لكنه فقط ينبأ باقترابها تماماً كتحذير رحلات الطائرات . اشعل احدنا آخر سجارة ـ صاروخ ـ قبل أن يأزف الوقت و تطلعُ الشمس تنذر بفضحنا .

قلت لصديقي مع أول نفس دون ما سبب واضح غير النشوة : و الله إنًا لكافرون !؟
قال باستغراب أيضاً دون ما سبب واضح : الإيمان لا يُقاس بطول العُمر !.
و أكمل بصوت شجي ينذر بنوبة بكاء خاطفة :
نحن في سن الشباب و مع هذا مؤمنون و تجد غيرنا من تعدى الخمسين و لكنه يجري خلف شهوة عابرة أو دائمة . أما نحن فالحمد لله
تخلصنا من عقدة الشهوات و اتًخذنا من مجلسنا تحت الشجرة قبلة تهوي إليها أفئدتنا , قل هم الكافرون . فصدق الآخر على قوله : الحمد لله !.
دامت لحظة صمت كأنما تأكيد لمعتقدنا , و مداعبت الدخان متعه لا يضاهيها متعه في مثل حالنا . قال :
إبليس مؤمن رغم غضب الله عليه , و نحن من المغضوب عليهم و لكن مؤمنون !. صدقنا الإعتقاد مرتاً أخرى و قلنا جميعاً :
الحمد لله !.

ضحكنا على ما قلنا و شملنا شعور غريب من هذا التسليم بالإثم . و الأعين الحُمر تتطلع إلى الغيب بدافع الرغبة لا الشهوة , إن كنا راغبين بالإثم فهذه حالة مؤقتة أما رغبة الإثم فتلك حالة تستوجب علاج !. و ما ننتظره هو طلوع الشمس . لتخبرنا قصة شُبًان ما أنصفهم الدهر . عندما تحلٌ بنا بركةِ النشوة يملأنا اليقين فلا نسأل عن شيء .

تلا ذلك نوبة ضحك كالعويل , آمنا حينها أن بركة النشوة حلًت بنا , قلنا لبعضنا دعونا تغسل أفئدتنا بالرذاذ . قال صوت منا : و أعيننا ماذا نفعل بلونها الأحمر  ؟
ـ نبحث لها عن معجون يجعلها ناصعة البياض .

ارتجت خلايا الشجرة من ضحكنا . والقمر يطالعنا بعين حاسد متجهم , أكل الليل نصفه و نصفه الآخر غطته غيمةِ . ازداد تطلعنا للغيب
و خيٍل لنا أننا نراه كما يرانا . و شملنا صمت مطبق , حتى الفجر صمت , و من خلال الدخان رأينا أطياف مستقبل . أولاد و مدارس و مشاكل زوجية . أطبق الصمت أكثر . تحديات لا تبقي ولا تذر و صراع دائر في الفضاء بين الكواكب و نقاش محتدم بين الأرض و المريخ و مناوشات بين عضو و وزير و استجواب أخذ أكثر مما أعطى , و تلويح بالحل و تلويح آخر بتغيير الدستور . دَستور ياسيادي !.
أما الشمس فأخذت منصب قاضي القضاة كلما شطً طرف نزلت عليه بحمم من نور . الصمت يطبق أكثر فأكثر !.
قلت لأحد صديقيً : متى تأتي النهاية ؟
قال : أما تسمع غناء الخنافس و هسهسة الشجرة , و هذه الحدأة التي تسعى أمامنا , أما تسمع صوت زفيرها . كلٌ الكائنات عرفت كيف تتطلع إلى الغيب . و الآن فقط حلًت بنا البركة . و أنت تسأل عن النهاية !.
حينما يحصلُ القلب على ضالته يصبح خارج أسوار الزمان و المكان . نحن الآن أصبحنا خارج حسابات الدنيا , و قلوبنا غسلها الرذاذ .
و اجتاحتنا رغبة عارمة بالغناء . الغناء للكون ليسمع انتصارنا الساحق . لم نحسب لجلال الفجر حساب , بعد قليل يأتي ليشهد على انتصارنا و الضياء القادم من الأفق أكيد انه سيغني معنا . وقفنا و أنشدنا بصوت واحد :



كلما رأيتك تزداد رغبتي . . . و لكما ازدادت رغبتي ازداد اعتقادي .



غنت معنا الخنافس و ربطة الحدأة خصرها و شرعت بالرقص . وقع المشهد في أنفسنا موقع الإيمان . فارتفعنا عن الوجود .
و آمنا أن ليس للكون سر لنكشفه , فتجمعت حولنا الحيوانات من كل مكان . حتى الطيور طافت حول الشجرة بطرب , ناظرتنا العين بتعجب كأنها لا تعلم أننا نتطلع ولا نجد غير الشعور يشبعنا . في غياب العقل يأتي دور الشعور ليشبع ضعفنا !. اقتربت الساعة و بعد قليل ينفض جمع الأصدقاء . قلنا بعد الغناء و الطرب يتجلى الإيمان و ساعة الفجر لا تعوض فيها يستوجب الدعاء .
قال صديقي الأول : أدامها الله من ساعات .
و قال الآخر : للشعور سطوة بها تتحقق النشوة . أدامها الله .
و قلت أنا : ليختفي العقل في غياهب الزمن . أدام الله غيابه .....
 تلى أحدنا بصوت خاشع مع سيل النور  : غير المغضوب عليهم ولا الظالين
فأتممنا بصوت كالتنهيد : آمين .

الأحد، 7 نوفمبر 2010

مجنون منطقتنا !.

 كنت ألقاه في طريقي للمدرسة ذهاباً و إيًاباً . كم عجبت لذلك الرجل , حسب خبرتي بالأعمار قلت رجل لأنه عريض المنكبين طويل , أطول مني و من جميع أصدقائي . و العجب أنني لا أراه بالمدرسة , إذاً هو رجل بكل معنى الكلمة . و لكن لما لُعابه دائماً يسيل !؟
فكرتُ أول ما فكرت أن الرجال أحياناً لا يسيطرون على تصرفاتهم تماماً مثل أبي عند الغضب لا يتحكم بنفسه !. و أقول قد يكون الرجل ممن لا يتحكمون بلُعابهم عند الكلام . و لكن اللُعاب دائماً يسيل !. جذبني إليه أكثر حينما عرفت أن بيتهم بالشارع المقابل لبيتنا و أخيه يدرس معنا بنفس المدرسة , جذبتني المعرفة أكثر بسر هذا التسليم للأمر الواقع .

اسمه داوود , عمره 27 سنة . ذلك أول قطرة من المعلومات التي حصلت عليها . ليس صعب الحصول عليها كلٌ ما يحتاجه الأمر دعوة للعب الكرة بالشارع موجهه لأخيه فتأتي المعلومات مع أول ركلة . و لكن السر هو لما لُعابه دائماً يسيل !. كان الجواب على تساؤلي بمنتهى الوضوح و العفوية قال أخيه ببرود : انه مجنون !.
تطلعنا للوجه الغريب كأنه سحابةِ توشك أن تقذف مافي جوفها . ماذا تعني بمجنون ؟ بباسطة مجنون أي لا يتحكم بكل تصرفاته .
ما أغباني حين تخيًلت أن المجنون هو من يحب كمجنون ليلى . و أن المجانين ليسوا موجودين إلا بالأفلام السينمائية .
ما أشبعتني يا أخيه . لا أعرف من أين جاءت تلك الرغبة الملحه بالتعرف عليه شخصياً . رغبة لم أستطع دفعها حتى بذلك الشعور بالقرف عندما أراه . أليست الرغبة هي من تسيطر علينا اكثر من المبيحات .

كنت ألقاه في طريقي للمدرسة ذهاباً فأقترب منه و أبادره بإبتسامة خفيفه و أقول له أن المدرسة متعبه و الواجبات كثيره
و كان يقول بملأ فمه : أخرطي !.

ـ المدرسين مملين ؟
ـ أخرطي !.
ـ الصباح جميل ؟
ـ أخرطي !.
ـ الحياة حلوة ؟
ـ أخرطي !.

فلا أمسك نفسي من الضحك , و أمضي في طريقي . عند باب المدرسة أسمع حارس المدرسة يقول بصوت جهوري : الله يلعن أبو الدنيا .
و عند أول عتبة أسمع مدرس يقول لطالب : يومك أسود . و أقول لنفسي همساً : أخرطي !.
يمضي يومي متفكراً لا أعي كلمة من الشرح , الدرس ممل أكثر من دعاية سوق البرازيلية . و المدرس ممل أكثر من بانتا و أمه برسوم جريندايزر . ما هذه الحكمة التي صبًت بأذني من مجنون . ما هذا الشبه بيننا غير أن لُعابي لا يسيل . أصابتني سهام خفية بيًنت لي تفاهة ما انا فيه , فتحولت لوحة الشرح لمهبط مراكب فضائية و استحال الطلاب لملاحين معتوهين لا يكفون عن التأشير بجميع الجهات . أما أنا فاتًخذت من الدوك فليت مهرباً و استبدلت ‘ أنطلق ‘ بي ‘ أخرطي ‘ فمتى يجيء موعد الإقلاع !.
و استمسك بي وهم قاتل أننى سمعتُ المدرس قبل الانتهاء : أكتبوا موضوع تعبير عن أحد أصدقاءكم ؟

كنتُ قد جلست خلف المكتب الصغير و أمامي تتراقص كلمات أباحت لي هتكها بأريحيه مستحيلة . كيف ، لا أعلم ؟ متى , لا أعلم ؟
و بدأت بمراقصة أول كلمة حينما لقيته في طريقي من المدرسة إيًاباً قلت : أتذكرني ؟ قال : أخرطي

ـ ما الحياة ؟
ـ أخرطي !.
ـ ما الجنون ؟
ـ أخرطي !.
ـ ما اليقين ؟
ـ أخرطي !.

قررتُ أن أتبع الحكمةِ حيث منبعها . و أن أرقص متى ما شئت و أفتعل مع ذاتي مواجهه دامية دونما سبب , و أغني أمام جنازةٍ لا أعرفها ولا تعرفني , و متى ما أردت أتجرد من ملابسي !.

و أن أكتب الموضوع و اسميه ‘ حكيم المجانين ‘.

الأربعاء، 3 نوفمبر 2010

شروق و غروب


انه أول يوم للمدرسة . لا أريد الذهاب . أخلق أعذار , أشكوا ألماً بمعدتي ,
كل الأعذار تذهب هباءاً من الخوف من تلك الإبتسامة على محايا أمي .
صحيح أني سعيد بالذهاب للمدرسة ولكنها سعادة ليست كاملة ,
يريدون إخراجي من مملكتي الصغيرة و الزًج بي في دنيا لا أعرفها ,
لما خلقوا لنا ما أسموها " مدرسة " ألا يستطيع الشخص التعلم ذاتياً .
قمت , نهضت . و ارتديت هذه الملابس الجديدة بنطلون كحلي وقميص أبيض
هذه العادة والتقليد في بلدي . فرحت لهما كثيراً فما كنت أستطيع لبس شيء جديد
إلا بالمناسبات والمدرسة إحدى تلك المناسبات , أشعر بالغبطة داخلياً
**
تأبطت ذراع والدي وبين خطوةٌ و أخرى أنظر خلفي , فأرى أمي تودعني بإبتسامات الفرح و الأمل . أبي بدأ بإفلات كفي الصغير شيئاً فشيئاً حتى صرتُ أمشي بجانبه
ولأن خطوتي صغيرة كان يسبقني فكنت أركض أحياناً للًحاق به .
و في لحظة نظرت للخلف فما وجدتُ أمي !.
الشارع . عصافيرٌ جميلة صداحه تملأه وتغني لي نشيد الأمل , أزهار على جانيي الطريق
أشتم ريحها , فواحة الشذى , عبقه بطيب ألوانها الزاهية , وهناك أولاد يلعبون
في نفسي أحسدهم و أقول لها ولى زمن اللعب في الشارع , ما أسعدهم .
وبنات يبتسمون لا خوف من معاكسه بين ولد وبنت كلهم أولاد ويلعبون سوياً .
كل شيء كان جميلاً .
أمام المدرسة وقفنا وقال أبي هنا ستتعلم معنى الحياة فكن رجلاً .
قلت ستأتي لأخذي بعد المدرسة , فقال بالتأكيد ....
دخلت وحدي لعالمي الآخر . أطفال في مثل عمري ومنهم الأكبر , كلهم توحدوا بنفس اللباس
ومن خلف الصفوف المشرئبة بقصر القامة نادى صوتٌ جهوري ,
اصطفوا يا رجال الغد بدأ طابور الصباح , صفونا صفوفاً متراصة فأكمل الصوت
وقد ظهر جسمه البدين وكرشته التي تسبقه خطوات , هنا ستتعلمون معنى أن تكونوا رجالاً فأنتم المستقبل , هنا ستصنعون لنا أمتاً نفخر بها .
تعلمنا و اجتهدنا . فكان يومٌ من أجمل الأيام ولكن لكل شيء نهاية .
انتهى اليوم وخرجنا كلٌ ينتظر أباه وأنا أنتظر .. لم يأتي أبي , بدأ الأولاد بالرحيل
واحداً بأثر واحد , بقيت وحدي أنتظر , وبعد طويلٍ من الانتظار قررت الرجوع للبيت وحدي .
آه وعدني ولم يأتي ... أحياناً وعودنا لا تقبل التطبيق .
حثيت الخُطى لبيتٍ ضمني بسالف الزمان . هناك شيء تغير ,
أين العصافير الصداحة ؟ أين الزهور الفواحة ؟ ما كُل هذه السيارات ومن أين أتت ؟
متى أنشئوا هذه المباني الضخمة ! ما كل هذا الازدحام الخانق ؟
هل هذه الطريق التي أتيت منها بالصباح ! نعم .
أسير متفكراً فيقابلني رجلٌ خُيٍل لي أني أعرفه , ولكني بالحقيقة لا أعرفه , وما إن اقترب مني حتى ابتسم وسلم علي وقال أهلا عادل كيف حالك وحال الأولاد فقلت كلهم بخير
وأنت كيف حالك؟ فقال بخير ولله الدوام .
هواجس تأخذني لحدود الكون متى تزوجت وأنجبت !. لا يهم ..
أكملت طريقي فكانت السيارات تزداد عدداً بكل خطوة .
وهناك عند مفترق الطرق وقفت مذهولاً . كان يجب أن أعبر الشارع للوصول للجهة الأخرى
جهة بيتي , ولكن كيف أعبر ؟ وهذه السيول من السيارات التي لا تدع مجال للعبور
نظرت إلى جانب الطريق فرأيتُ أولاداً يلعبون بالسكاكين . رحماك ربي !
وهناك آخرون يتربصون لولدٍ ماذا يريدون منه ؟ والسيارات في تزايد مستمر حتى اختنق
الشارع فيهم و كان هناك أيضاً سيارة إسعاف تشق طريقها بين الصفوف لنقل مصابين
وسيارة مطافي تبحث عن حريقها ..
فقلت فلتهنأ النار فيما تأكل .
وفي أثناء حيرتي بين العبور والانتظار وقف بجانبي طفل يرتدي بنطلون كحلي وقميص أبيض
تبدوا عليه صفات الشهامة وقال :
جدي هل تريد أن أوصلك إلى بيتك .