السبت، 12 فبراير، 2011

الــــهــــــذيـــان


,ـ شكراً 
ـ لا داعي للشكر
ـ لقد أعدتني للحياة يا دكتور,,
ـ بل بعزيمتك عدت , وأنت تستحق هذا ,,( أكمل الدكتور  (

ويسرني أن أراك بين الحين والآخر
ـ سأفعل .... إلى اللقاء
ـ مع السلامة.

خرج أيمن الإبراهيم من عند الدكتور أكثر شباباً وحيوية واتًسعت عيناه للجمال والحياة والحب , وفتح ذراعه للأمل القادم من الأفق وأخذه بأحضان المشتاق .

تغيرت الدنيا بعينيه وانقشعت سحب السواد التي كانت تملأ سماءه , فكم سيصمد مع هذا التغيير , ولو أنه قد كسر حاجز الخوف والشك بالأطباء النفسيين وزيارتهم ولكن هل يقضي عمره في مصحة المرض النفسي ! كان الأهل والأقرباء المقربين بانتظاره خارج المصحة وما إن بان خيالة من وراء الباب الزجاجي حتى اغرورقت عينا أمه بالدموع والشوق واللهفة
ولم تشعر بذاتها المدفوعة ركضاً أمام الناس لتحضن ولدها الحبيب فبكت
وبكى وغزت الدموع أعين المشاهدين لتلك اللحظة المؤثرة ,
كان سلاماً لجميع الأهل واطمئنان عن الأحوال بعد رحلة العلاج الطويل , التي دامت سنتين  متواصلتين لم يخرج بهما أيمن ولا مره للخارج ,
وما إن وصل للبيت الذي ضم نعومة أظافره حتى توالت الذكريات
يجر بعضها بعضاً , روضتي , مدرستي وثانويتي ماذا فعل الزمن
بأساتذتي يا ترى !!؟
هل لا يزالون بالمدرسة أم عادوا لأوطانهم , كم أتمنى زيارتهم !!

****

عند الأصيل تجمع الأهل والإخوة للتحدث عن ما فعل أيمن بالمصحة
وكيف عاد للحياة مرتاً أخرى , فكان أول حديثه عتاب لأخوته الذين لم يزوروه طول فترة العلاج إلا مرات معدودة , فقد شعر بمرارة الوحدة والهجر , وكيف هان عليكم أخاكم !؟ ضحك أحدهم وقال إن مشاغل الحياة والأولاد لا تنتهي . ولتغيير مجرى الحديث الذي لم يرق لأحدهم قال صوت لقد كبر الأولاد وزادت مشاكلهم ومتطلباتهم , ولكنه لم يسمع شيء وقال لا شيء يمنع زيارة نص ساعة  .
تجاذبت أطراف الحديث من موضوع لآخر فبعد أن أخبرهم بابتسامه
كيف قضى تلك السنين كان آخر حديثه أنه تعلم كيف يجد حل لمشكلة الكويت الأولى ومشكلة العالم أيضاً .
انقضت ساعات كثيرة وهو يتحدث وهم يسمعون , انتصف الليل ورحل
الأقارب ولم يبقى سوى الأخوة , نظر أيمن لصورة والدهم المبروزة
على الحائط وقال لنقرأ له الفاتحة .

**

قضيت الساعات بين الأحاديث والنكات والضحكات , ولكن وراء
كل بسمة ذكرى أليمة أو خاطر نفسي يعكر صفوة الجلسة العائلية
قام الإخوة كلهم لغرفته ولحضن امرأته وبقت الوالدة وأيمن
فقالت السيدة سعاد : لا تحمل نفسك هموم ليس لك شأن بها فتعود
إلى ما كنت عليه . ولكن أيمن كان قد طبع على التفكير بشأن العالم من يعرف منهم ومن لا يعرف , أليّسً الفرد جزء من المجتمع فكيف لا أفكر بشأن الآخرين  , وكل ما قد يفعلونه يؤثر علينا جميعاً .

ــ متى تعود لعملك ,
ــ بالقريب أحتاج لبعض الوقت لتصفية ذهني ,
ــ لا تبخل على نفسك بالراحة.
ــ هي من تبخل علي بالراحة والأمان ,
ــ وهل تعتقد أنك  تستطيع تغيير المجتمع لوحدك ( أكملت السيدة سعاد )

لا يحق للشخص أن يفرض آراءه مهما كانت على من لا يريد أن يستمع
وتدخلك العميق بشؤون الناس جعلك تصل لمكان لا نجاة منه ,
وقد أعطاك الله فرصة أخرى فحمده ولا تعاند .

ــ الحمد لله ( غير مقتنع (



***

مضت أيام وأيام بعد أسبوع فأسبوع ثم شهر وراء شهر , عاد أيمن للعمل في نفس الشركة التي كان يعمل بها كمحاسب من الدرجة الرابعة ,هادئة تلك الشهور الماضية رغم الصراع الدائر بين نفسه ونفسه ,إلى متى الصمود يا نفسي ولا شيء بالعالم تغير !!
فلا يزال الأخ بعيداً عن أخيه , ولا تزال الأخت تمقتُ أبيها بحجًة الصبا  ,ولا يزال المجتمع غارق في بحر الوهم ومشاحنات من وكلوا بتمثيل الأمة ,كيف الخروج !!؟

ــ أيمن أين وصلت بخيالك .
ــ ..................
ــ هل سمعت قصة الأم التي رمت بنفسها من سيارة ابنتها وهي ذاهبة بها إلى دار العجزة ,
ــ .........................
ــ ما عاد بالدنيا أمان البتة ,
ــ أصمت أرجوك فما بي يكفي ,
أصاب كلام زميلة بالمكتب مقتلة وزاده خوفاً من المجهول والمستقبل , رأى بعين الزمن  فجوةٌ واسعة لا تكاد تغلق بأمنية من شاب . وفي ساعات عملة المنقضية بدون عمل يذكر خرج من مكتبة قبل موعده بساعتين واتًجهت خطاه إلى صديق قديم كان أعز صديق له ولكنه لم يره منذ سنين فهل يذكره , وكيف تنسى سنين الصداقة الطويلة , أجلسه وتجاذبا أطراف الحديث عن كل المواضيع التي تشغل الشباب , الحب أولها والزواج يأتي بالتبعية وأحلامهم المواربة وراء الزمن , غير أن الصديق قد تطلع إلى مكانٍ قصي لم يكن ليأتي لأيمن على بال, تغيرت حياته وقفز إلى مصاف أصحاب الأسهم والبورصة   ,خفًة لهفة اللقاء بالتتابع وأخذ الملل مكان البسمة , فكان الحديث يقف كثيراً لاتصالات  متتالية وأوامر معطاة أو مأخوذة , فلم يكن منه إلى الاستئذان  بالمغادرة , سلم عليه وفي نفسه يقول عسى أن لا تعيدها ,لا مكان يأويه سوى البيت وحكايا الأم الجميلة , هتف قلبها عن سبب
عودته بهذه الساعة المبكرة من العمل  . أحسست ببعض التعب ,
لا تزال على وهمك يا أيمن , ليس بيدي , أنا فقط لا أستطيع العيش هكذا , كل العالم يعيش بهذه الطريقة , وأنا ليستُ من العالم , وعلى طاولة الغداء لم يأتي سوى أخوه الصغير وأمه وهو
فكان الغداء لا طعم له مع أن البيت يضم ثلاث عائلات لأخوته المتزوجون وأولادهم .
انتصف النهار وتلونت السماء بألوان المغيب ,
وعلى دقات الثواني سُمعت صرخة من الطابق الثاني لزوجة أخيه ,
فهرعوا جميعاً وإذا الدماء تسيل منها من أماكن متفرقة من الوجه والكفين , سألوا عن ما حصل ولكن الزوجة قررت أخذ الأولاد لبيت أهلها , وأخيه داخل الحجرة يلهث وصدره يعلوا وينخفض بسرعة رهيبة , سألوا الأخ فقال مشكله زوجيه تحل إن شاء الله , إن الهانم زوجتي ربيبة العز والدلال تعايرني بقلة دخلي , ولم تعد تحتمل هذا الوضع , هكذا تحل المشاكل الزوجية بالضرب سحقاً لك .   فلتفت الأخ إلى أيمن وصفعه بقوة ودبتً مشاجرة بين الأخوين ولكمات وسباب وبعد بكاء الأم ودعواتها خرج أيمن من البيت غاضباً , لا العائلة تغني ولا الصديق , ولا العمل ينسي ولا الحياة بمجملها جميلة فتذكر الحياة داخل المصحة فأحس بالحنين إلى مكانه وسريرة , وأصدقاءه هناك ورقة حديثهم , هناك الصداقة الصافية ! وفي اليوم التالي جمع أغراضه وتوجه للمصحة , واستقبله الدكتور فقال مستبقاً لقد أخطأت بحل الأسئلة لا أعرف مشكلة المجتمع الأولى ولا مشكلة العالم ويلزمني العيش هنا أكثر. وعادت السحب السوداء تملأ سمائي   .
تغيرت الحياة كثيراً ولم أكن حاضراً لأشاهد هذا التغيير عن كثب, فسقطت من تعدادها وأصبحت غريباً عنها ,لا أعرف حتى عائلتي , لا أعرف من أصدقائي حقاً , حتى القيم تغيرت وغدت مجرد كلمات يحفظها الطلبة بالمدارس , وأكمل أيمن بالمصحة عرفت علاج الهذيان , أما بالخارج فهو الهذيان نفسه .

هناك 4 تعليقات:

Engineer A يقول...

أما بالخارج فهو الهذيان نفسه ..

أعجبتني

دمت بخير

منصور الفرج يقول...

مشكوره كاتبتنا على مروركِ الدايم .

شرفتني والله

لكِ الخير

خاتون يقول...

السلامـ عليكمـ...

أيمن هو أيضا نفس مجتمعه مخطأ نظرته ضيقه
ليس عليه أن يحل مشكلات غيره عليه أن يحل مشكلاته
وأقل ما يقدم هو التطوع في أي مجال يخدم المجتمع

مشكلته مع أخيه ينصحه بهدوء إن خذا خذا وإن ماخذا فهو الخاسر
مشكلة مع صديقة .. عادي يبحث عن آخر الناس تتغير


لكن أيمن شخصية حقيقية نرى هنا
وهناك وإن لم يكن في مصحة

العلم أصبح قاسي لكن
المهم أنه أحنا ما نجاريه

جميل المشهد الذي صورته
وفيه عمق على قصره..موفق
^_^

منصور الفرج يقول...

خاتون /

لكِ من التوفيق أختي . و شكراً على مروركِ

كل ما تفضلتي به صحيح فقد نصور حادثه و نغير مجرياتها و أماكنها و لكنها تعيش بيننا ..

،،

احترامي لكِ