الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010

صفعة زمن


 طلب الاثنان نفس الطلب , وضعا نفس المقدار من السكر , رشفوا رشفةً أولى . ابتسم النادل مرحباً بهما قال : مضى زمن طويل منذ آخر زيارة لكما !. جاوبوه بابتسامة مشتركة دون تكلٌف . قال الأول : مر زمن طويل حقاً . . فصدق الآخر على قوله و أضاف : طويل حقاً !. ولكنه بالقياس إلى الأيام يعتبر قصير .
ركن المقهى القديم ضمًهم , مع مرور كلٌ هذه السنوات لا يزال أصحابنا يقدمون نفس الطلبات بمنتهى البساطة الممنوحة للجنس البشري , الركن هو الركن الذي احتوى أحلامهم بسالف الزمان , و تلك أحاديث المستقبل و الشباب صداها يصمٌ أذنٌ أرهفت سمعها لذات ذكرى صادقة . هل تذكر !؟ نعم أذكر فالذكرى تنتشر كشذا العطر . واحده تكفي لتجذب سيل الذكريات . هل تذكر !؟ حينما كنا بالصف الرابع ابتدائي و كأن الآخر عرف الذكرى قبل البوح بها و واصل سردها مع ابتسامة من القلب كنا بمختبر العلوم نعمل على تجربة مركب كلوريد الصوديوم . انتشرت رائحة غريبة قبيحة مع دخان أصفر . ضحك الآخر بملء قلبه و أطرد : أشعنا بالمدرسة أن مدرس العلوم يعلمنا تحضير الجن . لم يستطع الآخر مسك نفسه فتعالت ضحكته حتى ارتعد منه رواد المقهى و تلفت الجالسون . صمتوا لحظةٍ كأنهم يثبتون الذكرى بدهاليز ذاكرتهم . رشفوا رشفة أخرى فقال أحدهم : الذي لا تعلمه أن الناظر طلب مقابلة المدرس لإيضاح الأمر .
ـ يا لها من إشاعة قبيحة ....
و تابع بعد أخذ رشفة من الكأس أمامه : لقد كنا أغبياء .
ـ بل كنا أبرياء . ما طولنا و لو مرة لساننا على أحد من المدرسين رغم الشغب الذي نستحق عليه الضرب . وما أهنا و لو مرة احد المدرسين رغم تصرفاتنا التي تستحق الطرد من المدرسة .
ـ مفهوم مفهوم .
صمت قصير خيم على الصديقان . توالت الرشفات و الابتسامات المكتومة . أتى الأول على نصف الكأس و خرق الصمت بضحكة ثم قال : ما حدث لك في الصف الثالث متوسط ؟
ـ عن أي حدث فالأحداث كثيرة .
ـ حينما طُلب منك مدرس الرياضيات حل مسألة على الصبورة .
ـ أخ ... داهمتني ضحكة لا أعرف مصدرها و بدل أن أبدأ بالحل بدأت بالضحك بحالة هستيرية .
ـ ضحكنا عليك طيلة السنة و كلما قام أحدنا و توجه ناحية الصبورة يضحك دونما سبب .
ـ كنت محرجاً لدرجة أردت معها تغيير الصف .
ـ ما كنت تركتك وقتها .
الغريب أننا كنا نضحك ولا زلنا . دونما سبب و حينما يأتي وقت الضحك لا نضحك !. اللعنة على التجهم بكل وقت .
الآن عرفت سر إضحاكك كلما وقفت أمام لوحة الشرح حتى حينما وصلنا للمرحلة الثانوية كنت تضحك كلما وقفت أمامها . ما السبب ؟
تفكر الآخر بعمق كأنما هي حالة مرضية مستعصية و قال : في المرحلة المتوسطة أعتقد أن السبب كان الهروب من الإحراج الشديد . أما في المرحلة الثانوية أظن أنه بسبب اللا مبالاة الشديدة . المهم أنني كنت أضحك من أعماق قلبي و لست أهتم للسبب الحقيقي .
ـ حسناً ... أخبرني عن سبب فشلك الكبير بالثانوية العامة ؟
صفى ذهن الآخر , أصابت ذكرى الثانوية العامة شغاف قلبه . و هوة به لأرض جرداء .
كم كان ألاختيار مربكاً ! لم يقل لنا أحد ما هي الدوافع وراء اختيار هذا الطريق أو ذاك . أو ما هي ميولك علمية أو أدبية . فإن كنت تجيد فهم المعادلات و حلها فطريقك علمي . أما إن كنت تحفظ التواريخ و الأحداث فطريقك أدبي . الأمر سهل على الناظر من بعيد . ثم أنني بعد كل هذه السنين وجدت أن صاحب الطريقين ليس كذاب !.
و أنني كنت مخطأ باختياري للطريق الذي مشيت به , لذلك فشلت بامتياز . قس على هذا سنوات الجامعة و العمل . كلها فشل يلي فشل .
طبطب الآخر على كتف صديقة و  رفع كأسه عالياً ثم قال : في صحة الفشل .
أطرد بنغمة جديدة : يبقى الماضي ماضياً في طريقة مادمنا لا نجاريه .
رشفوا رشفة من الكؤوس أماهم توحي بانتهاء الحديث المفترض قوله , أتى الأول على ما تبقى من كأسه بصمت و أناة و الآخر ينظر إليه بتودد . قام الأول كمن لدغه ثعبان و الآخر ينظر إليه فأتى على ما تبقى من كأسه :
ـ فرصة سعيدة لقائي بك .
ـ فرصة سعيدة
ـ أستودعك الله
ـ ......
توجه الأول ناحية الباب و الآخر معلقاً نظره عليه , تابعه و هو يخطو مبتعداً , فنثالت عليه جميع الأحلام المشتركة و المبتعدة في آن . و الأفكار و الهواجس , أحلام اليقظةِ العمياء و التطلع للمستقبل . كلها مبتعدة كالصديق . تابع خطواته حتى غيبه المنعطف .

هناك 5 تعليقات:

رُوحٌ ضَائِعَه... يقول...

مؤلمَ جدا جدا ..
الذكريات الجميله تسعدنا عندما نتذكرها
لكنها ما تلبث ان تنتهي حتى نشعر بالحزن الشديد لانتهاءاها
فيليه تذكر " الفشل " اشد ايلاما و التحسر على مامضى

ان نكون حبساء الماضي امر مضني متعب جدا
لن نتحرر من هذا السجن الا عندما نتصالح معه وانفسنا

اكره الماضي اكره الذكريات =(

~ الاختياار~
وما اصعبه من اختبار
نقف عند مفترق الطريق
هل نسلك هذا ام ذاك
فنختار أياً كان و لا لأي سبب
ثم
بعد مروور الاعوام
نلقي نظره للوراء
فنقول في قراره انفسنا
"ياترى ماذا سيكون الحال لو اننا اختار الطرق الاخر "


-----------------------------
هههههه حصل لي موقف مشابه
ففي السنه -ربما الرابعه من الثانويه - وعندما طلبت مني معلمه الفيزياء حل مسأله على اللوح
وكنت قادره على حلها وانا مغمضه العينين
فاذا بقهقهات
تحولت الي ضحكات
ثم بصوت اعلى و اعلى
حتى دمعت عيناي

و السبب كان ~فصله~
لم اشعر بالخجل او شيءٍ هكذا فالمعلمه كانت صديقه لنا

---------------
كل عام وانتم بالف خير

حديث الفجر سابقا =)

صفحات مُلطخّة بحروفي يقول...

تمضي الأيام ، وتبقى الذكريات ..
ويبقى عبيرُها يملأُ كُلّ خلايا عقولنا ..
-
من أصعب الأشياء التي تُصادف الانسان في حياتهِ "الاختيار" ..
فعليه تبدأ مسيرة حياته المُستقبلية ..
مررتُ بتجربة مُشابهة فأدرك الحيرة التي تتملكُ
الانسان حين اتخاذه لقرار يتوقّف عليهِ بقية حياتهِ ..
-
كلمات جميلة ..
كُلّ عام وأنتَ بخير ..

منصور الفرج يقول...

شرفني تواجدكنً يا آنسات .

بورك المكان الذي يضم بين جنباته أمثالكنً

كل عام و انتنً بخير

زٍحَ’ـمةَ حَ’ـڪيّ..||≈ يقول...

مؤلم جداً ذاك الاختيار الذي لايكون من صالحك
ولاكن تقدر الاقدار فتجدك اجتزت ذاك الاختيار بعكس ماخططت له
وكم هي مؤلمه تلك الذكرى التي كالمر عند استرشافها
حقيقة هي جمعت بين عدة احداث مكنونها رائع
وكل عام وانت بخير

منصور الفرج يقول...

زحمة حكي /
والله يشرفني دائماً مروركِ الكريم على صفحاتي .

طبتي أينما كنتِ