الخميس، 28 أبريل، 2011

زائر الظلمة


( 1 )

باغته جرس الهاتف فالتفت إليه مسرعاً و وثب نحوه بخطى واسعة , ما إن كاد يخرج صوته حتى أجبره المتصل على السكوت . لم يحرك شفتيه بكلمة و ظل مستمعاً مدتاً حتى جاءه الأمر : أفهمت !.
نبتت ذراتُ عرق على جبينه و قال بصوت متحشرج : أجل  سيدي .
عاد إلى موضعه الأول عند النافذة المطلة على الشارع , أخذ السيجارة و راح يكملها بعصبية و نهم واضحين . أسفل النظر استقر رجلٌ تحت عامود النور , أعاد ألالتفاتة فتأكد انه هو هو الرجل المنشود . طالعه الآخر بهدوء من تحت عامود النور , رفع له يديه محيياً و انصرف متمهلاً بخطى ثابتة  .

***

كاد أن يصرخ به لولا تأخر الوقت إلى ما بعد الرابعة فجراً , و راح يجوب الغرفة بين المكتب و النافذة يفكر بلا شيء و كل شيء ممكن أو مستحيل , هو الرجل ذو المعطف الأسود المقلم بخيوط من الذهب . أجل هو فلا يمكن أن تخطئة عيناه . وقف أمام النافذة قليلاً ثم ارتمي على الكنبة المقامة على الجانب الأيمن من الغرفة , قال لنفسه : أن الحياة لا تحتمل أكثر من كلمة . قال أيضاً : إننا نتقاتل على ثمالة الكافرين . ارتخت أعصابه فثقل جفنه , النوم في مثل حالتي يعتبر أعز من الأمنية , ما إن أطبق جفنيه حتى عاد رن الهاتف فوق المكتب المنحوت , قام متثاقلاً , رفع السماعة بيد مهتزة . أنصت باستيعاب مشوش , هز رأسه بتأني , قال بصوت منخفض : إذاً نلتقي عند العاشرة .



( 2 )


أزفت ساعة العمل فتوجه إلى غرفة نومه ليرتدي ملابسه . تقلبت زوجته على الفراش فطالعها بطرف عينه اليسرى  . و هي جميلة من نومها أكثر من صحوتها . و لكنه يحبها بالحالتين , و ما أضناه غير الحب و الاستقرار , أكمل ارتداء ملابسه , وقف أمام المرآة و تملى منظره طويلاً , ثم اقترب من طرف السرير و انحنى طابعاً قبلة على طرف شفتها السفلية . غادر الغرفة متوجهاً للمطبخ , أعد لنفسه كوب قهوة و شرع يطالع الجريدة , و ما إن قلب صفحتها الأولى حتى باغته شعور بالندم . أي ندم فما حدث لا يمكن التراجع عنه الآن , رمى بالجريدة و أخذ كوب قهوته و ولى خارجاً . الطريق منذ ألف سنةٍ هو الطريق . و هذه الوجوه تتكرر بكرور الأيام هي أيضاً ثابته لا تتحرك . الازدحام شديد و رأسه يغلي من فكرة الندم , و هناك بالجهة الأخرى من هذا الدوار يكون الفرج . انتصفت السابعة و هو عالق من أتون الدخان , داحر السيارات حتى خرج و خيٍل له أن سيارته تلهث . وجه المطار يناظره من بعيد فردد نفس الجملة التي اعتاد ترديدها كل يوم في نفس المكان : مطار الكويت يرحب بكم .
عبر الشارع الأول فالتقاطع ثم التف يميناً إلى بوابة الموظفين , استغرب وقوف بعض سيارات الموظفات كأنهم يأتون للعمل عند الخامسة فجراً , و قال لنفسه متى تأتي أنت باكراً . ترجل من سيارته وقطع الشارع إلى مبنى المطار الخلفي , عبر ممر طويل إلى مكان الدرج و دس يده في جيبه ليتأكد من وجود علبة السجائر و المفاتيح , في الدور الأول تحت الأرض مكتبة , توجه إلى مدير القسم ليوقع حضوره , قابلة الآخر بود مصطنع و قال بتبرم : العاملين ينتظرون تصاريحهم ؟ برطم بشيء لم يسمعه الآخر فقال :
ـ ها , ماذا تقول ؟
ـ أقول إن الصباح اليوم جميل .
ـ  و أنا أقول أن قسم التصاريح لم يشهد موظف بليد مثلك .
ـ شكراً
نظر إليه متعجباً فدارى ضحكة أوشكت أن تفلت منه . أعطاه ظهره و توجه إلى مكتبه , و ما إن أتخذ مجلسة حتى بادره الزملاء بالكلام , و لكنه لم يلتفت إلى أحد , لم يرى أحد هو الأصح و انشغل بالتصدي لسيل الأفكار التي تنثال عليه تباعاً . ماذا يعني بقوله ( أفهمت ) ؟  و ما سبب الجُبن الذي أصابني لحظة سماع صوته الغليظ ؟ إن كثيراً من الأحيان يتساوى الخطأ و الصواب في هكذا زمن نعيشه . و فكرة الندم لا تبارح تفكيره بل هي تتمدد بخلاياه كالورم الخبيث . نغزه أحد زملاءه بجنبه فانتفض واقفاً , تعجب الجميع من ردة فعله أما هو فمضى خارج المكتب . و في الممر تنبه إلى أنه يذهب إلى مبنى المطار الرئيسي . أكمل بغير وعيي منه حتى وصل إلى المحلات التجارية , تلفت ببلاهة يبحث عن لا شيء . أدركه تجمع لأناس يتجمهرون حول شخص ما , اقترب من الجمع ليتبين من هو مركز التجمع , كانت المذيعة الجميلة مركزه , صاحبة اللغة الفريدة و الحظ السعيد . فقال لنفسه : أي عصرٍ يتصدر به السفهاء أعلى المراكز هو عصر الأفول !. و مضى يتفكر بحاله بعد أن خفف منظر الناس حول المذيعة من لهيب رأسه . دار حول المحلات و وقف يودعُ أشخاصاً لا يعرفهم ولا يعرفونه , تحرش بصبية ربما لا تتجاوز التاسعة عشرة و شيع الأفكار واحدةً تلو الأخرى بمثواها في غياهب الذاكرة . توجه إلى دورات المياه لغير ما سبب . وقف أمام المرآة و تملى منظرة طويلاً , همس لنفسه : سفهاء الأمس قواد اليوم , فلتحيى أعظم مهن التاريخ !.


( 3 )


كان المقهى المطل على البحر شبه خالي حينما دفع بابه . خلت الطاولات و تجهمت الجدران من شح الضحكات الرنانة التي تخترق صفحتها , إن العالم يموج بأقوال الحرب , هنا أو هناك لا يهم فكل بقعة تشهد بجمال فانٍ و قبح بارز لا تستر مساحيق التجميل قبحه .  سأل النادل من التي تغني ؟ و ما معنى أن نختبئ من درب الأعمار!؟
طلب فنجان قهوة و فرش انتظاره على الأرض تدوسها دقائق الوقت الماضي , علًق عينه على الباب الزجاجي لحظات مرت كالسنين , لا .... مستحيل ..... هل يمكن ..... ليس الآن ...... ليس الآن بالوقت المناسب للشرود عليه أن يجمع جميع أعضاء جسده للٍقاء المنتظر , و لكن كلمة ( أفهمت ) ترن في أذنه عند أدنى حركة تدب في شيءٍ ما حوله . ماذا تقول ؟  : 
تعا تا نتخبا من درب الأعمار ... و إذا هني كبروا و نحنا بقينا صغار .
ما معنى أن نبقى صغار و لما نختبئ من درب الأعمار . سأل النادل فطالعه الآخر بابتسامة صفراء و قال تعني أن الحياة ........
قاطعة بإيماءة من رأسه و قال بعصبية : لا أحتاج لمزيد من التفسيرات للحياة .
ـ الحياة كل يوم لها تفسير , بل كل دقيقة .
ـ مستحيل أن يتحملها الإنسان !.
ـ أنه يفعل و لكنه كثيراً ما يقع فريسة الوهم .
ـ هل يمكن أن ينتصر ؟
ـ ممكن إذا ما استعجل الموت !.
و أردف النادل و قد تبددت ابتسامته الصفراء عن أخرى أكثر قتامه و قال : فنجان آخر ؟
انتزع نفسه من دوامة الحديث و توابعه و قال بعد تنهيده : ليس الآن
نظر إلى ساعته فوجدها تجاوزت العاشرة و النصف بدقائق . علق عينه على الباب الزجاجي لحظات مرت سنين أخر , فتح الباب فمر خلاله شاب و فتاة قال لنفسه أن المكان يجود بضحكة , خلف القادمين تبدى رجل طويل ضخم أسمر كثيف شعر الرأس ذو تقاسيم وجه منمنمة لا تتناسب  مع جسمه  , سار بثبات إلى حيث طاولته فقام الآخر بملاقاته , شد على يديه دون قُبَل و أجلسه بترحاب . نادى النادل طالباً فنجانين قهوة و ساد صمت متحفز حتى خرقة قائلاً : أني أغرق !.
قال الآخر بثبات و ثقة : تجنب المبالغات من فضلك . و ساد صمت متحفز حتى خرقة قائلاً : أني أغرق !.
تبدى الآخر جامداً صامت و قد وشيي وجهه المنمنم عن حزم ذو خبرة بأقوال شتى من أفواه الغارقين .
 قال بتأني : أني أفهمك !.
 رنت الكلمة في أذنه رنين مأذي منبعث من الأعماق . تجلت له الأحداث مجموعة كلمات بلا وزن حتى الكون جميعه استحال لعينه مجموعة ذرات بلا ترابط يجمع بينها . نازع شروده و رنين الكلمة الذي لسبب ما وحده ارتبط برنين حاد آخر بدأ ينمو في دماغه . رفع الآخر يده ملوحاً لاسترداد انتباهه , نظرة غير النظر و وعي مشدود إلى أمارات التشابه تتلظى كلسع العقارب داخل رأسه 
و اليد هي اليد !. قال كأنه يحادث نفسه :
ـ إني أرى رجلاً !؟.
ـ ..........
ـ منذُ شهر تقريباً .
ـ ..........
ـ لا . كأنه يأتي إذا ما أخطأت .
ـ ..........
ـ لا أعرف أكثر مما قلت .




 //
( يتبع )

هناك 7 تعليقات:

سلة ميوّة يقول...

تبهرني دوما بكتاباتك...
انتظر مابعد اليتبع بشغف...
كنت هنا
مودتي

ريــــمــــاس يقول...

ولازلت هنا أقرأ لك وأستمتع بـ أحرفك ليكون المقيم بين سطورك هو الإبداع فهو ليس زائراً حتى يتوارى يوماً عن هنا "
؛؛
؛
منصور
لازلنا في أنتظار حرفك بشغف
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

الجودي يقول...

كنت احتاج لتفائل ..

أخطأت العنوان ربما ..

ولكنني استمتعت .. و كأنني أشاهد أحد الأفلام التي تروي مرارة الأحداث اليومية بتكرارها .. و بعض فلتات ممثليها حول الواقع المتكرر ..

متابعه رغم تثاقل الفكرة على نفسي ..

إلا إن إسلوبك يجبرني على المتابعه ..

موفق أخوي

تحياتي

خاتون يقول...

السلام عليكم...

طلب فنجان قهوة و فرش انتظاره
على الأرض تدوسها دقائق الوقت الماضي


يبدو لي هذا الرجل فعلا يغرق
والتشتت قد ملأ رأسه وفكره


وبانتظار البقية ...

همسات أنثى يقول...

احتارت الكلمات أيها تصفك ..!؟
وأي اللآلئ تستحق أن تلظمها مُترف بلاغتك ..!
و كيف لقلمٍ أن يجّسد لي الكلمات حكايا ألمسها ..
تداعبني رائحة أجواء غرفة الفجر حيناً ..
وحيناً عبق القهوة ؟؟!!

استاذي منصور الفرج..
لله درّك فاضلي .. سلمت الروح والمنطق
وحفظك الرب ..

للروعة هنا .. بكامل الحواس سأتابع
ولما " يتبع" أتشوّق !!

aL-NooR . يقول...

اعلم اني متابعة
بصمت او بحرف الا
اني هنا كلما
امطرت حروفك
بأي جديد

:)
رائع جدا
استمتعت
بكل حرف

careless يقول...

http://pita-careless.blogspot.com/2011/06/blog-post.html

help