الأحد، 23 يناير، 2011

صياد الأماني

جال بناظريه في الظلام , اتسعت بؤرة عيناه موحية بتقبل المكان المقفر و الظلام المحدق . أخرج صنارته و طُعمه .
دندن بصوتٍ خافت : أحلا ما في الفرحة اتنسي الكبير سنه .
جلس على كرسيه الخشبي بعد أن ثبت الصنارة بين شقوق الصخر , مال ناحية صندوقه المزركش و أخرج كتاب و شرع بالقراءة .

***

لم تكاد تمر الساعة الأولى حتى أدركه اهتزاز الصنارة , وضع الكتاب بأناة و راح يدور أُكرتها . و لما أخرج نهايتها وجد الطعم قد أكل دون وجود لأي سمكة . قال : عفا الله عن الماضي و المُبتدِأ !.
أعاد وضع الطعم و رمى به لفم البحر و عاد للقراءة .هفهف نسيم رقيق غازل الأغصان حوله , و احتشم القمر وراء سحابه كعروس أسدلت طرحتها , لا تختفي و لكن تتوارى فيظهر الضياء . اندمج بالقراءة فغفل عن تهدج الماء و تخبطه , فجأة دونما رياح مزمجرة , و اهتزت الصنارة فطالعها بطرف عينه . اندمج بالقراءة فظهر من الماء رأس أنثى يستغيث : أخرجني .... أسرع !؟. و حينما لم يوليها اهتمامه امسكت خيط صنارته و بدأت تخرج نفسها من الماء المتخبط . استوت أمامه أنثى طاغية الجمال .  لكنها بشكل سمكه قالت و قد أخذها التعب :
ـ ويلك من رجل لا نخوة بك !.
لم يحول رأسه عن الكتاب و لكنه قال بصوت يشبه الهمس :

ـ بدأ الحظ يبتسم .
ـ حظ ؟ أي حظ , كدت تقتلني بتجاهلك .
ـ أقتربي لأراكِ على ضياء القمر .
ـ يا لك من شيخ داعر . ألا تعرف من أنا ؟
ـ يسرني أن أعرف .
ـ أنني أميرة أطلانتس . جزيرة الحلم الضاربة بالتأريخ .
ـ أهلاً بكِ .  لكن يجب أن تقتربي فسمعي ضعيف . 
نظرت فيها حولها و لما لم تجد أثراً يعود لتاريخها سألته :
ـ أين نحن ؟ أي تاريخ ؟ 
ـ يبدوا أنكِ قطعتي زمناً بالسباحة . تعالي لتستريحي على حجري .
ـ بل يبدوا أنني أخطأ المكان . جئت لطلب المساعدة ؟
ـ اقتربي مني فسمعي ضعيف كما قلت لكِ . 
ـ جزيرتي الغارقة تحتاج لرجل شهم ؟ 
و لما لم يحرُ جواباً طارت إلى السماء ناثرتاً لآلئ أنارت الكون . فارتبك في مجلسه و لم يحول عينه عن الكتاب .  ثارت فيما بينها و تقدمت منه بخطى واثقة حتى ألصقت وجهها بوجهه و لكنه لم يتحول عن الكتاب : 
ـ قلت أنني أبحث عن رجل شهم ؟ 
ـ لا شهامة بزمن البارود . 
أغاضها كلامه فصفعته و لكنه لم يتحول عن كتابه , و صدر عنه أنين مكتوم فقال بخنوع :
ـ ألا ترين أنني شيخٌ كبير !؟
ـ بل أنت داعر زنديق . و أي مساعدة منك تعتبر كارثة 
ـ أستطيع مساعدتكِ . فقط لو جلستي على حجري . 
ـ ماكر , زنديق .
 بحركةٍ آلية استدارت ناحية البحر . قالت لنفسها يبدوا أن الزمن خير من ينقذ الأبرياء ,  تمايلت كغصن يداعبه النسيم ,  نثرت لآلئ أنارت الكون .  هدأ البحر و سكنت أمواجه , نظرت خلفها ثم قفزت .


أدركه اهتزاز صنارته , وضع الكتاب بأناة و راح يفرٌ أكرتها . وجد الطُعم قد أكل و لا وجود لسمكة . قال لنفسه : 
ـ إن أحلام الشباب عمل . أما أحلام الشيوخ فتأمل و عفا الله عن الإثنان !.




***




تأكد من تثبيت الصنارة بين شقوق الصخر , نظر للسماء فظهر القمر في متناول اليد , ودً لو يمدد يديه ليمسكه . لكنه تراجع بعد أن أشبع بمناجاته عمراً طويلاً . ماذا يفيد الآن لو أمسكته . لا شيئ و ربما ذلك يعكر صفوة موتٍ أنتظره , ماذا تبقى لنا نحن أبناء أفلاطون سوى الغرق كجزيرته الفاضلة . و لكننا عوضاً عن الغرق , ملأنا بحب الصيد . و قد نصطاد يوماً حورية قادمة من الأعماق فنسألها عن الأماني الغارقة . 
عاد لمجلسه و تطامن رأسه نحو الكتاب , و عاد للقراءة . استحال في موضعه كلوح خشب خاوي , عاودته حالة ألاندماج و غاب عما يكتنفه الزمن من مآسي . تحركة صفحة الماء فظهرت أنثى يموج شعرها بفتنةٍ طاغية , اعتلت خيط صنارته و مشت عليه بخطى ثابتة , و لما وصلت النهاية صاحت بصوت ملئه الإغراء : Hi
مدًت الأحرف فشعر بدفعة هواءها تلفح وجهه الجامد . استطردت بغنج :
ـ أوف فاتتني الحفلة الراقصة ؟
ـ لا مانع من أن أشهد رقص الحور .
ـ و لكني أحتاج لموسيقى .
ـ سأكون العازف و الجمهور و لكن اقتربي قليلاً فنظري ضعيف !.
ـ يال حظِ العاثر .
ـ الآن بدأ الحظ يبتسم . 
ـ أنني مغنية موهوبه !. 
ـ أشهد لكِ بذلك ...........
ـ و لكني سمعتك تقول أن سمعك ضعيف . 
ـ لالالا . بل هو نظري فقتربي لأراكِ على ضوء القمر . 
تمايلت بمشيتها فنثرت من شعرها كواكب و أقمار , عبق الجو بشذا ريحها الطيب كأنها سحابة تمطر مسكاً . ارتبك في مجلسه و لكنه لم يحول رأسه عن الكتاب , استقرت على حجره و داعبت شعيرات لحيته الكثه . قالت بدلال : هل ستشجعني !؟
ـ نعم .... سأهتف بإسمكِ بأرجاء المعمورة .
ـ يا لك من شيخ كريم . 
ـ لكنني أحتاج للتأكد من موهبتكِ . 
ـ هل تشك بها . 
ـ لا فقط ليطمئن قلبي . 
قامت غاضبه و انتصب عودها الريان , دارت حول نفسها عدة دورات و تمايل خصرها برقة فاضحه , ثم قالت بتحدٍ :
ـ هل سمعت أجمل من صوتي !؟. 
ـ ولا رأيت !. تعالي وقعي لي على رقبتي . 
و قبل أن تصل لموضعها الأول قفزت من البحر الحوريه الضائعه . صاحت بأعلى صوتها :  داعر ...  ماكر . ألم تقل أن سمعك ضعيف .
ـ يحقُ لي أن أشكوا مما أريد !. 
ثم توجهت إلى الأخرى و دخلتا بعراك حامي الوطيس فتطاير شرر متوهج . 
ارتعد على كرسيه الخشبي و تمتم بكلام غير مفهوم . 
و لكنه لم يحول رأسه عن الكتاب , و لحقته لطمات من العراك فصاح :
ـ اتركوني بسلام .
اهتزت صنارته فطالعها بطرف عينه ثم عاد للقراءة , و ارتبكت صفحة المياه و خرجت حورية آية بالجمال و الصفاء . مشت متأودة في خفة النسيم العليل كأنها تنساب معه :
ـ لما يتشاجران ؟ 
ـ دعكِ منهما . أقتربي فسمعي و نظري ضعيفين !.
ـ لا ما جئت للحديث . و لكنني هنا لألقي كلمة .
ـ يسعدني أن أسمعها , و أن أراكِ تلقينها .
و بدأت كلامها و هو يهزٌ رأسه في انسجام كامل , و حينما انتهت قال بثقه دون أن يحرك رأسه عن الكتاب :
ـ لدي عدة أسألة ... لو تسمحين ؟
ـ أرى أن سمعك تحسن .
ـ انني أسمع ما يهمني فقط .
ـ و أنا لا أجيب عن الأسئلة فهي ليست من اختصاصي !.
ـ لكنها أسئلة مهمه لفهم ما تقولين ؟
ـ كل شيء مرهون بوقته . و أحب أن أضيف أن الشهامة و النخوة و الكرم و الجود و الإحسان منوطون بالزمان و المكان , فرُبً فعلٍ خاطئ يكون صحيحاً بمكانٍ ما أو فعلٍ صحيح يكون خاطئ بمكان آخر , و الزمن هو الحكم دائماً . و لكن يجب أن يستيقظ رأس الحكمة !.
ـ الآن اتضحت الرأيه ..... شكراً لكِ .
ـ آن لي الذهاب .
التفتت إلى المتقاتلتين و حيتهما بيدها , ثم قفزت إلى الماء . ندً عنه همس يوحي بالملل 
و لكنه استمر بمطالعة الكتاب .امسكت كل من الحوريتين بتلابيب الأخرى و استمروا بالقتال حتى سقطوا بالماء . و لم يحول رأسه عن الكتاب .
تململ بمجلسه , أشاح ناظريه إلى السماء فرآها تمزق عباءتها السوداء رويداً . وضع الكتاب بأناة و قام ناحية صنارته . فرً أكرتها فوجد الطعُم قد أكل دون وجود لسمكة .
قال لنفسه : عفا الله عن الإنسان , أسير الحياة و الموت !.
بدأ يلملم أغراضه ثم حشاها بصندوقه المزركش , دندن صوت خافت : 
و أحلا ما في الحزن كل الحكمة تجي منه . 


وولى البحر ظهره , و ذهب .

هناك 9 تعليقات:

Engineer A يقول...

رائعة !!

قصة جميلة جداً ومليئة بالعبر ..

مشوقة !

سلمت أناملك وأتطلع لقراءة المزيد من القصص التي تكتبها قريباً

كن بخير

منصور الفرج يقول...

شكراً لكِ كاتبتنا .
أتمنى أن أملك نصف ما تملكين من موهبه ,
لكِ كل الخير

سلة ميوّة يقول...

رائع!!!


أقف وأصفق لك...

منذ زمن لم أقرأ شيء بهذا الجمال!!


مدونتك ضمن المدونات الرائعة التي عرفت ...


فشكرا لوجودك في عالم المدونات...وشكرا لمن دلني إليك


امتناني

الجودي يقول...

أخ منصور

استمتع جدا في مدونتك .. أفكارك متجدده .. و غير مألوفة .. و جاذبه ..

و اليوم صياد الأماني كان حد البراعة .. في كلماته و حواراته و أمانيه ..

و عفا الله عن الجميع ..

شكرا لك جزززيلا

BookMark يقول...

رائع بل مذهل بل .. مبهر !!
تبارك الرحمن
الأسلوب واللغة والمضمون .. أُخِذت بها كلها !!

تسلم ايدك ونريد المزيد من هكذا فن !
:))

زٍحَ’ـمةَ حَ’ـڪيّ..||≈ يقول...

ماشاء الله تبارك الرحمن
كدت أن أجنْ مع نصَ كهاذا
لاشلّ يراعك !!
ليست مجرد كلمات / فواصل / قصة
هنا , كائن حيّ , يتنفس

حدائق الاوركيد..والزيزفون..لروحك...

منصور الفرج يقول...

سلة ميوة /
شكراً جزيلاً لمن عرفني على مدونتكِ بالبداية ,
بارك الله فيكِ .




الجودي /

لكِ فائق احترامي اختي الكريمه
شكراً لمتابعتكِ المستمره يشرفني تواجدكِ



بوك ماركت /
شرفتني اختي بهذه الزياره . والله شرف لي
شكراً من القلب لكِ



زحمة حكي /
لروحكِ كل الرضا . اسعدني تواجدكِ الكريم
احترامي لشخصكِ

كنوز القمم يقول...

ما شاء الله تبارك الله

قصة رائعة جداً

استمتعت هنا

بارك الله فيك أخوي وبالتوفيق

منصور الفرج يقول...

و لك كل الخير و التوفيق .

شرفني تواجدك أخوي الكريم

شكرا لك